أبي منصور الماتريدي

53

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

على كل أحد أن يرحم عدوه إذا كان عاقبته النار والتخليد فيها ، وألا يطلب الانتقام منه بما كان منه بمكانة ، وأن يقال : ولو تراهم إذ وقفوا على النار من الذل والخضوع لرحمتهم بما كان منهم من التكبر والاستكبار في الدنيا ، وهو كقوله : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ الآية [ السجدة : 12 ] ، أخبر عن ذلهم وخضوعهم في الآخرة بما كان منهم في الدنيا من الاستكبار والاستنكاف ؛ فعلى ذلك يخبر نبيّه عمّا يصيبهم من الذلّ بتكبرهم في الدنيا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . تمنوا عند معاينتهم العذاب العود والرد إلى الدنيا . ثم فيه دليلان : أحدهما : أنهم عرفوا أن ما أصابهم [ إنما أصابهم ] « 1 » بتكذيبهم الآيات وتركهم الإيمان ، حيث قالوا : يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا . والثاني : أن الإيمان هو التصديق الفرد « 2 » لا غير ؛ لأنهم إنما فزعوا عند معاينتهم العذاب فتمنوا « 3 » الرد والعود إلى الدنيا « 4 » ؛ لأن يكونوا من المؤمنين ، [ و ] لم يفزعوا إلى شيء آخر من الخيرات - دل أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير ، وأنه ضد التكذيب ، والتكذيب هو فرد فعلى ذلك التصديق . وقوله - عزّ وجل - : بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ . قيل فيه وجوه « 5 » : قال بعضهم : قوله - تعالى - : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [ الأنعام : 25 ] إنما « 6 » نزل في المنافقين ، يدل على ذلك قوله : بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ، وهو سمة أهل النفاق أنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين ، ويضمرون الخلاف ، ويخفون العداوة لهم . ويحتمل قوله - تعالى - : بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ رؤساؤهم كانوا عرفوا في الدنيا أنه رسول ، وأن ما ( أنزل ) « 7 » عليه هو من ربه « 8 » ، وعرفوا أن البعث حق ، لكنهم أخفوا ذلك على أتباعهم ، وستروه ، ثم ظهر ما كانوا يخفون على أتباعهم .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : : المفرد . ( 3 ) في ب : : تمنوا . ( 4 ) في ب : إلى الإيمان . ( 5 ) في ب : بوجوه . ( 6 ) في أ : إنها . ( 7 ) في ب : نزل . ( 8 ) في ب : الله .